المحقق البحراني

125

الكشكول

فيمن على اللّه وللّه فيه المن ، ومنها استكثار ما يأتي به من الطاعات واستعظامه . ومنه ما ورد في رواية عمّار عن الصادق عليه السّلام قال : أتى عالم عابدا فقال : كيف صلاتك ؟ فقال : مثلي من يسأل عن صلاته وأنا أعبد اللّه منذ كذا وكذا ؟ ! فقال : كيف بكاؤك ؟ فقال : أبكي حتى تجري دموعي . فقال له : فإن ضحكت وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل ان المدل لا يصعد من عمله شيء . وفي مرسلة أحمد بن أبي داود عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليه السّلام قال : يدخل المسجد رجلان أحدهما عابد والآخر فاسق فيخرجان من المسجد والفاسق صدّيق والعابد فاسق ، وذلك أنه يدخل العابد مدلا بعبادته يدل بها فيكون فكرته في ذلك ، ويكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه ويستغفر اللّه عزّ وجلّ مما صنع من الذنوب . وفي صحيح أبي عبيد الحذاء عن أبي جعفر عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : قال اللّه تعالى : إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد إلى الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني له وابقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه زار عليها ، ولو اخلى بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فيصير العجب إلى التيه بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه ، حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد بذلك عني وهو يظن أنه يتقرب إلي - الحديث . ولا ريب أن العجب بالمعنيين الأولين مفسد للعمل ، بل ربما كان نوعا من الكفر مع الاعتقاد الجازم ، أما بالنسبة إلى الأول فإن اعتقاد سوء العمل حسن مع دلالة الكتاب والسنة على قبحه ابداع في الدين وإن غفل عنه صاحبه اعتمادا على مجرد عقله وانهماكه فيه تبعا لدواعي نفسه الامارة ، ويرشد إلى ذلك ظاهر الآيتين - خصوصا الثانية - حيث دلت بأبلغ وجه على أنهم الأخسرون أعمالا مختصا بقوله سبحانه : أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ومن هنا يعلم صحة ما ذكرنا من دخول المقالات المبتدعة . ويؤيد ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا إنهم النصارى والقسيسون والرهبان وأهل الشبهات والأهواء من أهل القبلة والحرورية وأهل البدع . واما بالنسبة إلى الثاني فلأن الاعتقاد بأن له المنة على اللّه تعالى بشيء من الأعمال لا ينشأ من قلب مؤمن عارف باللّه سبحانه أدنى معرفة ، لأن من أدناها معرفة أنه الخالق الرزاق وهما يستغرقان جميع النعم أصولا وفروعا وإنما ينشأ من كافر مكذب بالإيمان لقوله